محمد جمال الدين القاسمي

413

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لا تغضب . فأعاد عليه . حتى أعاد عليه مرارا . كل ذلك يقول : لا تغضب - انفرد به أحمد - وروى من طريق آخر أن رجلا قال : يا رسول اللّه أوصني ، قال : لا تغضب . قال الرجل : ففكرت حين قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ما قال ، فإذا الغضب يجمع الشر كله وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي ظلمهم لهم ، ولو كانوا قد قتلوا منهم ، فلا يؤاخذون أحدا بما يجني عليهم ، ولا يبقى في أنفسهم موجدة ، كما قال تعالى : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ الشورى : 37 ] . قال القفال رحمه اللّه : يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا ، فنهى المؤمنون عن ذلك ، وندبوا إلى العفو عن المعسرين . قال تعالى عقيب قصة الربا والتداين : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 280 ] . ويحتمل أن يكون كما قال تعالى في الدية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة : 178 ] . إلى قوله : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ . ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال : لأمثلنّ بهم . فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفوا . قال تعالى في هذه القصة : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النحل : 126 ] - انتهى - وظاهر أن عموم الآية مما يشمل كل ما ذكر . إذ لا تعيين وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اللام إما للجنس ، وهم داخلون فيه دخولا أوليا . وإما للعهد ، عبر عنهم بالمحسنين إيذانا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفيّ المستلزم لحسنها الذاتيّ . وقد فسره صلى اللّه عليه وسلم بقوله « 1 » : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك . والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها - أفاده أبو السعود - .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 37 - باب سؤال جبريل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان . ونصه : عن أبي هريرة قال : كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بارزا يوما للناس . فأتاه جبريل فقال : ما الإيمان ؟ قال « الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله ، وتؤمن بالبعث » قال : ما الإسلام ؟ قال « أن تعبد الله ولا تشرك به . وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان » قال : ما الإحسان ؟ قال « أن تعبد الله كأنك تراه . فإن لم تكن تراه فإنه يراك » قال : متى الساعة ؟ قال « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . وسأخبرك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها . وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان . في خمس لا يعلمهن إلا الله » . ثم تلا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ . . الآية . ثم أدبر . فقال « ردوه » فلم يروا شيئا . قال « هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم » .